Skip Navigation Links

الدستور         السبيل        الحدث 

 

السبيل » تفتح ملف الكارثة البيئية في «الهاشمية»

  31/5/2005

   تحقيق - جهاد ابو العيس وعلاء عواد

  رغم تصنيفها من قبل منظمة الصحة العالمية على أنها واحدة من «المناطق البيئية الساخنة» عالميا، واقرار دراسة علمية نشرتها وزارة الصحة - حصلت السبيل على نسخة منها- اثبتت وجود ارتباط وثيق بين الغازات والابخرة السامة المنتشرة في اجوائها وأمراض الربو والجهاز التنفسي، وتأكيد دراسة رسمية ثانية أن عامة السكان المتصلين بالمياه العادمة المعالجة بالقرب منها معرّضون للإصابة بأمراض مثل الإسهال والديدان المعوية والعدوات البكتيرية، وكشفت دراسة رسمية ثالثة عن وجود عيوب كبيرة في آلية تدوين المعلومات الخاصة بالوضع الوبائي وكيفية تصنيف الأطباء في المراكز الصحية للحالات المرضية التي يعاينونها، واثبات باحثين رسميين وجود فرق بين الوضع الوبائي بين اهالي المنطقة وغيرهم ممن هم خارجها، الى جانب تأكيد تقارير رسمية بيئية من ان مستوى التلوث الجرثومي للخضار فيها أعلى منه في المناطق الاخرى، كل ذلك لم يحرك ساكنا من قبل الحكومات المتعاقبة لتدارك ما يمكن تسميته بوجود «كارثة بيئية حقيقية متفاقمة» في لواء الهاشمية التابع لمحافظة الزرقاء.

  مصادر التلوث الرئيسية

فالداخل للبلدة التي تبعد قرابة الـ(35) كم شمال العاصمة عمان (10 كم عن وسط الزرقاء) يجد نفسه محاصرا مع ما يقرب من 30 الف نسمة - هم مجموع سكان اللواء - بين ثلاثة من اكثر واكبر مصادر الملوثات البيئية في المملكة، هي مصفاة البترول، ومحطة الحسين الحرارية، ومحطة تنقية الخربة السمرا لمعالجة المياه العادمة، دون التفات رسمي من اية جهة - حتى اللحظة - لارقام او احصاءات منظمة الصحة العالمية التي وثقت موت اكثر من ثلاثة ملايين طفل سنويا في العالم دون سن الخامسة لأسباب وظروف متعلقة بصورة مباشرة ووثيقة بالبيئة، الى جانب جعلها عاملاً بالغ الأهمية في صحة وعافية أمهاتهم.

الاهالي والاعتياد على الامراض

«السبيل» التي زارت المنطقة وعاينت بالقلم والصورة ومقابلة الاهالي والجهات المعنية مقدار «الخطر المتفاقم» وثقت بالارقام مقدار الغبن البيئي الكبير الواقع على اهالي البلدة، ممن عبروا لـ«السبيل» عن مدى «تاقلمهم» من جهة مع الوضع القائم، وضعف ذات اليد لاجراء أي تغيير او حتى «تعديل» لما هو موجود من جهة اخرى.

يقول محمد المشاقبة من سكان الحي الشرقي - اكثر الاحياء تعرضا للابخرة والملوثات - «اعتدت وعائلتي على الوضع البيئي القائم، واصابة ابنائي بمرض التحسس الصدري اصبح امرا عاديا بالنسبة لي، وبالامس فقط ارسلت ولدين من ابنائي للعلاج في المستشفى العسكري للعلاج، وقبل شهرين ادخلت شقيقتهم للمستشفى لذات المرض» متابعا «ماذا افعل ولا احد يرغب بشراء منزلي المعروض للبيع منذ سنوات لذات الاسباب التي ارغب بالرحيل عنه بسببها».

فيما اضاف شقيقه عيد بالقول «سعر الارض في هذه المنطقة لم يرتفع منذ العام 1987 فمنذ ذلك الوقت وسعر المتر لم يتخط الدينارين والدونم يتراوح ما بين 1500 - 2000 دينار فقط، فالكل يعزف عن السكن في المنطقة نتيجة روائح الخربة السمرا وضجيج مولدات محطة الحسين الحرارية والابخرة السامة المتصاعدة من المصفاة».

فيما اشار مواطنون الى امراض الاذن التي تتسبب بها اصوات الضجيج الصادرة لساعات طويلة من ماكنات ومحركات المحطة الحرارية على طلبة احدى المدارس القريبة بالقول انها تسببت فعليا في اصابة نسبة كبيرة من الطلبة بما يشبه حالة «الصمم».

وعند سؤالنا لاحد المواطنين عن اسباب بقائه واقامته في المدينة رغم وضعها البيئي اجاب «اين اترك رزقي ورزق اولادي، نحن موجودون في المنطقة منذ عشرات السنين المنطقة بالاصل عبارة عن واجهات عشائرية موجودة قبل وجود المصفاة والمحطة الحرارية ومحطة التنقية» فيما اضاف اخر «عندما سكنا المنطقة لم نتوقع ان تتفاقم المشكلة البيئية الى هذا الحد، ولم نعتقد بصراحة ان الحكومة ستهمل اوضاعنا البيئية بهذه الصورة، فضلا عن ان كثير من السكان هنا هم من العاملين في المصفاة والمحطة الحرارية».

  جمعية بيئة الهاشمية

يقول رئيس جمعية البيئة في الهاشمية والرئيس الاسبق لبلديتها طحيمر الزيود: «الجهات الرسمية مثل وزارة الصحة لا تعطينا نتائج دراساتها البيئية التي تجريها لاسباب عدة، كما ان وزارة البيئة وبحكم نشأتها الجديدة ما زالت لا تمتلك الدراسات والارقام لتزودنا بها» واصفا الوضع البيئي للمدينة بـ«السيئ جدا» مشبها مصادر التلوث المحيطة بالاهالي بمثل «السوار المحيط بالمعصم من كل اتجاه».

وطالب باسم جمعيته الجهات الرسمية بالمسارعة بإجراء فحوصات مخبرية على اهالي المدينة بهدف التوصل للاثار الفعلية والمخاطر الناجمة من الابخرة والروائح والغازات المنبعثة صباح مساء.

وقال ان جهود الجمعية والاهالي السابقة ساهمت في ايجاد حلول جذرية لمحطة التنقية من شأنها انهاء مشكلتها البيئية في غضون سنتين، منوها الى ضرورة تركيب وحدة استخلاص الكبريت للمصفاة والتي كان يعد بتركيبها - على حد قوله - كل مسؤول كان يزور المنطقة دون تنفيذ يذكر.

  ابرز الملوثات

فيما اعتبر امين سر الجمعية صالح الزيود بدوره أن الملوثات الناجمة عن محطة الحسين الحرارية لا تقل خطرا عن ملوثات المصفاة باعتبار الاولى تنفث يوميا اطنان من ثاني اكسيد الكربون التي تشكل بدورها ملوثا رئيسيا فعليا تسبب بامراض الربو والجهاز التنفسي لمختلف فئات السكان».

واضاف ان زيادة انتاج البترول تسببت في السنوات الاخيرة الى زيادة كميات الابخرة السامة المتصاعدة من مداخن المصفاة، مشيرا كذلك الى حجم المشكلة التي تتسبب بها اسراب البعوض الكثيفة التي تغزو اهالي المدينة مع بدايات الصيف بوصفها تشكل صورة اخرى اكثر ازعاجا بسبب المياه العادمة المكشوفة لمحطة التنقية.

وحول خطوات ادارة المصفاة وسعيها لفلترة الابخرة السامة المنطلقة اضاف الزيود «ادارة المصفاة غير جادة فيما تطرحه من عطاءات تركيب وتحديث اجهزة الفلترة، وبساطة الاهالي وانشغالهم بطلب ارزاقهم دفعت المصفاة للتهاون فيما ينبعث عن مداخنها من سموم قاتلة تقتحم بيوت الناس في ساعات الليل والفجر تحديدا».

جمعية بني حسن الاسلامية

ويقترح رئيس جمعية بني حسن الاسلامية محمد عواد الزيود من جهته تزويد المصفاة بجهاز وحدة ترسيب كبريتيد الهيدروجين وهو الجهاز الذي قال ان ثمنه كان قبل حوالي 10 سنوات ما يقرب من المليون دينار، فيما يصل ثمنه حاليا لحوالي 4 ملايين دينار، مشددا على ضرورة ايلاء موضوع البيئة في الهاشمية الاهمية القصوى والدراسات المستفيضة والعلمية التي تعطي ارقاما وحقائق معلوماتية عن طبيعة الآثار السلبية المترتبة على صحة ونفسية الاهالي.

وشدد على ضرورة ان تأخذ الدراسات الميدانية والصحية والاحصائية المراد معاينتها وقتا مستفيضا «شهر مثلا» حتى يتسنى للباحثين الخروج بنتائج واقعية فعلية يستند اليها في ايجاد الحلول المستقبلية للمشكلة على حد رأيه.

عناء الحصول على المعلومة

ومما لفت انتباه «السبيل» اثناء اعدادها ومراجعتها لملف التحقيق، تحرز غير جهة رسمية من الادلاء باية تصريحات «معلوماتية» حول طبيعة الوضع البيئي في المنطقة ونسب الامراض والملوثات الناجمة عنها، وهو ذات الانطباع الذي لامسناه من كثير من المواطنين ممن عبروا بدورهم عن حجب غير جهة وفريق بحث رسمي لاية نتائج لدراسات اوابحاث جرى بحثها في المدينة، مشيرين الى قيام جهات رسمية ومؤسسات بحثية عدة على رأسها الجمعية العلمية الملكية والجامعة الهاشمية بعمل مثل هذه الدراسات دون الافصاح عن النتائج الصحية التي توصلوا اليها لاسباب قالوا بانهم لا يعلموها.

فقد رفض المركز الصحي الرئيسي التابع للبلدة الادلاء لـ«السبيل» بأية معلومات او تصريحات بهذا الشأن او بغيره نظرا لوجود كتاب رسمي معمم على مديريات ومراكز الصحة في جميع انحاء المملكة بعدم الادلاء باية تصريحات صحفية تحت طائلة المسؤولية، فيما بررت مصادر في الجمعية العلمية الملكية فضلت عدم كشف اسمها اسباب الاحجام عن اعطاء المعلومة بالقول انها - أي الجمعية - «اشبه بمختبر متخصص يعمل لصالح الجهة التي تخوله اجراء الدراسة فقط دون حق نشرها او تداولها».

وزارة الزراعة

وعلمت «السبيل» من مصادر مطلعة ان وزارة الزراعة منعت منذ فترة طويلة العديد من المواطنين من زراعة اراضيهم ضمن حدود المنطقة، نظراً لارتفاع نسبة التلوث في التربة المزروعة، اضافة الى اعتماد بعضهم على المياه المكررة التي تخرج من محطة التنقية والتي اتضح رسميا لـ«السبيل» انها تستقبل ثلاثة اضعاف طاقتها الاستيعابية وان ذلك ادى الى ان تكون مخرجاتها من المياه المكرورة شبيها بالصورة التي دخلت بها قبل التنقية.

اصحاب صيدليات

اما طبيا ودوائيا فقد لفت انتباه «السبيل» ايضا حجم الاقبال الملحوظ جدا من قبل الاهالي على شراء ادوية التحسس والربو وما شابهها، بصورة لا تترك مجالا للشك في تفاقم اوضاع اهالي البلدة والاطفال منهم تحديدا، جراء ما يجري من موت بطيء على حد وصف احد الاهالي.

يقول بسام الزيود موظف في احدى صيدليات المدينة «هناك اقبال كثيف جدا من قبل مختلف الاعمار على أدوية الربو والتحسس وامراض الجهاز التنفسي والتحسس الجلدي ورمد العيون، هناك حالات تعاني من الربو سيئة جدا في المدينة» وحول نوعية الادوية وكلفتها قال «اكثرها طلبا ادوية الكورتيزون والزاداتين والتيفانيل والفنتال اضافة لانواع عدة من البخاخات، واغلب هذه الادوية لا تملك شرائح المدينة الفقيرة متابعة شرائها لان المحلي منها مرتفع الثمن فما بالنا بالاجنبي والمستورد».

واضاف الصيدلي الزيود «بخاخ الجيوب الانفية مثلا يصل سعره لحوالي 6 دنانير ويحتاجه المريض تقريبا بصورة شبه اسبوعية، وهناك مراجعات للاطفال لذات الامراض تتطلب ادوية اساسية تصل لاكثر من 4 دنانير، ونستطيع ان نقول ان هناك معدل بيع يومي من 10 - 12 علبة شراب للاطفال متعلقة بأدوية تحسس والتهابات للقصبات الهوائية وامراض الرئة فقط»، فيما اضاف صاحب صيدلية اخر ان من نسبته 15% من ادوية امراض الملوثات تباع لتحسس العيون و35 % لتحسس الجلد واكثر من 50% للامراض الصدرية والقصبات.

فيما اكد اصحاب صيدليات ان القيام بأية زيارة خاطفة لعيادات الصدرية والتحسس في مستشفى المفرق الحكومي او العسكري في الزرقاء ستكشف بما لا يدع مجالا للشك عن وجود اكبر نسبة مراجعين من المرضى من سكان الهاشمية.

دراسة لليونيسيف

وكانت دراسة موثقة اعدتها اليونيسيف اكدت ان الاخطار البيئية وعوامل التلوث في البلدان النامية بوجه خاص تشكل عوامل إسهام رئيسية في وفيات الأطفال وأمراضهم وحالات عجزهم بسبب الأمراض التنفسية الحادة وأمراض الإسهال والإصابات البدنية والتسممات والأمراض التي تنقلها الحشرات، مشيرة الدراسة الى أن وفيات الطفولة وأمراضها الناجمة عن أسباب مثل الفقر وسوء التغذية، ترتبط بدورها بأنماط التنمية غير المستدامة وتدهور البيئات الحضرية أو الريفية.

يقول اختصاصي الامراض الصدرية في المستشفى الاسلامي محمد ابو غوش لـ«السبيل» «الغازات السامة والابخرة المتصاعدة تؤثر بشكل ملحوظ وكبير في المصابين بامراض الربو والصدر والقصبات الهوائية، وقد تكون البداية على شكل تحسس ينتقل بعدها ان بقي المريض بذات البيئة لامراض الربو والالتهابات المزمنة في القصبات، ونحن ننصح كاطباء جميع الفئات المستهدفة الى ترك المنطقة واللجوء للسكن في مناطق اخرى نقية» وهو ما اثبت نجاعته احد اصحاب الصيدليات ممن اكد لـ«السبيل» حدوث تحسن كبير على احدى المريضات بعد رحيلها عن المدينة قبل سنوات.

نقابة العاملين بالمصفاة

من جهته انتقد رئيس نقابة العاملين بالمصفاة جمال التميمي ما وصفه بـ«عدم المبالاة الحقيقية من قبل ادارة المصفاة بصحة العاملين» مشيرا لـ«السبيل» الى وجود «وسائل صحية متواضعة للعاملين قياسا باحتياجاتهم الصحية المطلوبة» منوها الى ان وسائل السلامة المستخدمة حاليا «ليست بالمستوى المطلوب مقارنة بالمخاطر الصحية التي يحتاجها العاملون مثل الكمامات وغيرها.

وقال ان شعار السلامة الذي ترفعه المصفاة يفتقر للتطبيق العملي بالنظر لجسامة المخاطر التي يتعرض لها اكثر من 4 الاف موظف وعامل وخصوصا من أولئك العاملين في غرف العمليات والتحليل ومحطات التعبئة.

بلدية الهاشمية

اما رئيس بلدية الهاشمية المهندس احمد الحراحشة فأكد بدوره ان منطقة الهاشمية تعد «من اكثر المناطق الهوائية الملوثة في المملكة» مشيرا الى ان الابخرة والدخان المتصاعد من مصفاة البترول والغازات الصاعدة عن محطة الحسين الحرارية ومحطة تنقية الخربة السمرة، اضافة للعديد من مخلفات المصانع القريبة من المنطقة تشكل بمجموعها مصادر تلوث خطيرة وكبيرة على السكان والماشية والمزروعات

واضاف الحراحشة لـ«السبيل» طالما خاطبت البلدية الجهات الرسمية وعلى رأسها وزارة البيئة، لتقديم الحلول العملية للمشكلة دون ان تجد تلك النداءات أية استجابة»، وقال «نحن نطالب بتركيب وحدة استخلاص الكبريت في المصفاة، وبالنسبة للمحطة الحرارية نطالب بان يتم تحويلها للعمل بالغاز بدلا من الديزل الثقيل، وبخصوص الخربة السمر نأمل ان تتسارع الجهود الموجودة حاليا لانهاء مشروع التنقية الجديدة والمقدرة كلفتها بحوالي 170 مليون دينار».

وكان الحراحشة انتقد بشدة القيمة البدلية التي تدفعها مصفاة البترول والمحطة الحرارية لقاء ما تسببه للاهالي من اضرار، مشيرا الى ضرورة قيام وزارة المياه بتجريف السيل المنبعث من محطة التنقية خلال الاسابيع القليلة القادمة لضمان القضاء على ملايين البيوض الجديدة للحشرات المتجمعة هناك والتي تنشط في بدايات فصل الربيع.

من ناحيته اكد م.حسين شاهين مدير البيئة في محافظة الزرقاء:« ان هناك برنامجا سنويا لرصد التلوث في منطقة الهاشمية بوضع ثلاث محطات رصد حول المصفاة.

مشيراً الى ان هناك تصورا دائما لوضع خطة تنموية للحد من مشكلة التلوث في الهاشمية التي من المقرر بدءها نهاية شهر حزيران، اما من جهة المصفاة اضاف شاهين «ان المصفاة تعمل على توسيع المشاريع فيها لزيادة الانتاج، مع المراعاة في تخفيف اكسيد الكبريت, ويقدر تكلفة هذه المشاريع بقيمة 500 - 700 مليون دينار.

ويرى شاهين ان العائق الوحيد امام القضاء على هذه المشكلة هو «المال» لأن مشروع استخلاص الكبريت تقدر تكلفته 8 ملاين دينار.

 

 

  7 المستخدمين الحاليين    سجل  الرؤساء     روابط مفيدة    قيم البلدية     قيم الموقع     اقترح    ابقى معنا
عداد الزوار     159969 زائر